قالت مجلة "هورن ريفيو" الإثيوبية، إنه في ظل تنافس القوى الإقليمية في الشرق الأوسط على تصميم هيكل أمني إقليمي بديل، برزت آلية تشاورية رباعية جديدة في منطقة الشرق الأوسط الأوسع، تضم باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا ومصر. 

 

وعقدت هذه القوى الإقليمية جولتها الرابعة من الاجتماعات في القاهرة في 21 يونيو 2026، سعيًا منها لإدارة الأزمات الإقليمية ودعم المفاوضات الإقليمية، فيما اعتبرته يشير إلى حرص هذه القوى الأربع على تشكيل وتوطيد هذا الإطار التشاوري الرباعي.

 

وعلقت: "يبدو أن هذا التكتل الرباعي قد نشأ من توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، والتي تجعل الردع النووي محورًا أساسيًا للشراكة بين البلدين، وتدمج منظومات الأمن في الشرق الأوسط مع منظومات الأمن في جنوب آسيا".

 

 وتلا ذلك مناورات بحرية مشتركة مصرية تركية، واتفاقية تعاون عسكري وُقعت عام 2026؛ وانخراط تركيا مع السعودية وباكستان، مع التركيز على الإنتاج المشترك للطائرات المسيّرة والصواريخ لتحقيق استقلال استراتيجي أكبر. 

 

عمل دبلوماسي منسق

 

وفقًا للتحليل، فإن هذه التحركات إلى أن هذه الجبهة الاستشارية من المرجح أن تُنشئ تكتلًا دفاعيًا ودبلوماسيًا منسقًا، يستجيب للتغيرات الجيوسياسية الشاملة التي تُعقّد تطورات الشرق الأوسط والمناطق المجاورة، بما في ذلك القرن الأفريقي.

 

وساهمت هذه الدول الأربع بخبراتها المتنوعة في الحوار الرباعي الهادف إلى صياغة ترتيب أمني إقليمي جديد. وأشارت المجلة إلى أن تقارب السعودية مع صناعات الدفاع التركية، والترسانة النووية الباكستانية، وسيطرة مصر على قناة السويس، له تداعيات مالية وعسكرية وصناعية وسياسية وأمنية واستراتيجية على منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. 

 

وقالت المجلة إن هذا التحالف الرباعي، الذي يسعى لخلق أرضية مشتركة وتوحيد الرؤى الإقليمية لهذه القوى الإقليمية المؤثرة يعد أحد أبرز التكتلات الإقليمية المتنافسة على بسط النفوذ ورسم ملامح جغرافية الشرق الأوسط، وصياغة مفاهيمها ومبادراتها ومشاريعها الجيوسياسية الخاصة. وتواصل هذه الدول الأربع تنسيق رؤاها الإقليمية بالتعاون مع شركائها الدوليين ذوي النفوذ في إعادة تشكيل النظام الإقليمي ما بعد الحرب.

 

وتطرقت "هورن ريفيو" إلى موقف إثيوبيا إزاء هذه التطورات، قائلة إنها تشجع -بوصفها صوت العقل والاستقرار والتوازن في شمال شرق أفريقيا- وتدعم أي آليات تشاورية وترتيبات حوكمة لا تستهدف أي طرف ثالث وتتجنب قواعد القلة، مع إعطاء الأولوية للدبلوماسية والحوار كخيارين وحيدين على حساب الخيار العسكري. 

 

وأضافت: "ويُمكّن نموذج إثيوبيا في ترتيبات الحوكمة، الذي يُعطي الأولوية للحوارات الأمنية متعددة الأطراف، من تحقيق الاستقلال الأمني والاستقرار غير المهيمن". 

 

استغلال التحولات الجيوسياسية

 

وعلى النقيض من رؤية إثيوبيا الاستراتيجية، اتهمت مصر بأنها تواصل استغلال التحولات الجيوسياسية، ومنصات التنسيق، والشراكات الدولية، وخطط السلام الإقليمية، وجهود الوساطة، والأطر متعددة الأطراف، للحفاظ على هيمنتها المائية والبحرية والإقليمية على حساب إثيوبيا وجميع دول القرن الأفريقي وحوض النيل.

 

وتابعت المجلة في هذا السياق: "لا تتردد مصر في استخدام أي وسيلة، بما في ذلك هذه الآلية الاستشارية الناشئة، لعرقلة نمو إثيوبيا وتطورها. ولا تتوانى مصر عن استخدام هذا التكتل الرباعي كقوة موازنة للصعود الجيوسياسي والاقتصادي لإثيوبيا. وتُظهر مصر بوضوح سياستها العدائية تجاه إثيوبيا، إذ خلقت أديس أبابا واقعًا إقليميًا جديدًا في مجال المياه والسياسة يربط دول شمال شرق أفريقيا اقتصاديًا وجيوسياسيًا من خلال سد النهضة الإثيوبي".

 

ووصفت المجلة سد النهضة بأنه "مشروع تكاملي إقليمي"، وأشارت إلى "تشكيل نظام معياري جديد في حوض النيل يرتكز على اتفاقية الإطار التعاوني، والجهود المتجددة لضمان وصول إثيوبيا غير المقيد إلى البحر، من أبرز التوجهات الكبرى الجديدة التي تُعيد تشكيل سياسات النيل والبحر الأحمر جيواقتصادياً نحو التكامل. وقد زعزعت هذه التطورات الجيواقتصادية، التي تستند إلى أجندة اقتصادية ومعيارية أفريقية، استقرار المؤسسة السياسية الخارجية المصرية التي تتمسك بالترتيبات الاستعمارية والهيمنة". 

 

وفي ظل هذه التطورات المحورية في القرن الأفريقي والنيل والبحر الأحمر، ينظر التقرير إلى أن  مصر تواصل عسكريًا ودبلوماسيًا، محاولاتها للحد من النفوذ الجيوسياسي لإثيوبيا في شمال شرق أفريقيا، بالتعاون مع حلفائها الإقليميين. 

 

كتلة منظمة ومؤسسية

 

وفي هذا السياق، لفتت إلى أن مصر تشدد على ضرورة تحويل آلية التشاور إلى كتلة منظمة ومؤسسية. وأكد (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي مجددًا على الأهمية البالغة لإضفاء الطابع المؤسسي على آلية التنسيق خلال الاجتماع الوزاري الذي عُقد في القاهرة في 21 يونيو. 

 

واعتبرت المجلة أن إضفاء الطابع المؤسسي على هذه المجموعة الرباعية يعد استمرارًا لمخطط مصر الجيوسياسي للاستفادة القصوى من القوة العسكرية المتراكمة لهذه الآلية الناشئة، بهدف إضعاف إثيوبيا. وتسعى مصر، تحت ذريعة استقرار الأزمات الإقليمية من خلال هذه المجموعة، إلى استغلال مواردها المالية والعسكرية والصناعية للحفاظ على هيمنتها الإقليمية في شمال شرق أفريقيا.

 

وقالت إن مصر- التي تنظر إلى القرن الأفريقي ومنطقة النيل والبحر الأحمر- تعتبر امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وتتبنى نهجًا تكتليًا في منصات التنسيق، التكتل الرباعي أداةً فعّالة لتعزيز مصالحها في هذه المناطق الاستراتيجية. وهذا يعني أن مصر لن تتوانى عن توظيف هذا الإطار الرباعي لخدمة مشروعها الجيوسياسي طويل الأمد في شمال شرق أفريقيا، والذي يهدف إلى إحباط مساعي إثيوبيا لاستغلال مواردها المائية السيادية والوصول إلى البحر الأحمر.

 

وأبرزت  التقارير التي تشير إلى أن مصر تسعى لتسويق مبادرتها لبناء هيكل جديد للأمن والتعاون الإقليمي ضمن التكتل الرباعي الذي يربط حوض النيل والبحر الأحمر بالشرق الأوسط. 

 

وأوضح محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، في صحيفة الأهرام في 12 يونيو 2026، أن "أمن مياه حوض النيل، وأمن البحر الأحمر، وأمن الخليج، وأمن شرق المتوسط" تُشكل ركائز أساسية لمبادرة مصر في بناء هيكل إقليمي للتعاون. 

 

وأكد  الدبلوماسي المصري أن "أمن مياه حوض النيل" و"الأمن البحري للبحر الأحمر" عنصران حاسمان في "أي هيكل مستقبلي للأمن والتعاون الإقليمي". إلا أن هذه المبادرة المصرية، التي تُطرح في هذا التكتل الرباعي وفي أوساط متعددة الأطراف أخرى، تتجاهل تمامًا الدور المحوري لإثيوبيا، من حيث وجودها وتاريخها وجغرافيتها، والمتجذرة في مياه النيل والبحر الأحمر.

 

التوجه التوسعي لمصر

 

علاوة على ذلك، رأى التقرير أن التوجه التوسعي لمصر اليوم يتجلى بأشكال مختلفة في القرن الأفريقي، حيث تُحوّل الدول الساحلية الأفريقية إلى حلفاء مطيعين في محاولة لعزل إثيوبيا. وتواصل مصر نشر قواتها في القرن، وتأمين حقوق قواعدها البحرية، وتوقيع اتفاقيات لتطوير الموانئ والمناطق اللوجستية، وإنشاء هيكل إقليمي منافس لإدارة الشؤون البحرية، وتقديم الدعم العسكري للصراعات الداخلية المحتدمة، وتجنيد حلفاء إقليميين، واستمالة الدول المجاورة، وتأجيج الانقسام في المنطقة، وعرقلة أجندة التكامل الإقليمي بهدف إحباط تزايد أهمية إثيوبيا الجيوسياسية، ومركزيتها الجيودبلوماسية، وديناميكيتها الجيواقتصادية، وإمكاناتها الجيوتكنولوجية. ولا تقتصر هذه المناورات المصرية على القرن الأفريقي فحسب.

 

علاوة على ذلك، أشارت إلى أن مصر تسعى حاليًا إلى تحويل أعضاء التكتل الرباعي إلى شركاء في مشروعها لجعل إثيوبيا دولة حبيسة، غير آمنة، ومتخلفة. وتتمثل استراتيجية مصر في البحر الأحمر في قطع شرايين التجارة، وخطوط الطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات المادية والرقمية لإثيوبيا، فضلًا عن تقويض مصالحها العسكرية والاستخباراتية والأمنية والبحرية عبر ممر البحر الأحمر. بعبارة أخرى، تسعى مصر إلى ضمان دعم التكتل الرباعي لإعادة تنظيم مناطق النيل والقرن والبحر الأحمر وفقًا لسيادتها المائية والإقليمية والبحرية. إن العمليات العسكرية والدبلوماسية المصرية الشاملة التي شُنّت ضد إثيوبيا تُلحق ضررًا بالغًا بالأمن البحري، وعمليات الربط والتجارة، فضلًا عن الاستقرار والتنمية الإقليميين.

 

على عكس مصر التي تسعى جاهدةً لاستغلال هذا التكتل الاستشاري ضد إثيوبيا، قال التقرير إن السعودية وتركيا وباكستان لا تنظر إلى آلية التنسيق هذه كأداة تستهدف إثيوبيا. ونظرًا لنضج علاقات إثيوبيا مع السعودية وتركيا وباكستان، وطابعها العملي والتاريخي، فإن هذه الدول الثلاث، بصفتها أعضاءً أساسيين في هذا التكتل الرباعي، تُدرك مخاوف إثيوبيا ومصالحها الجوهرية. وتواصل شراكتها وعملها مع إثيوبيا بدلًا من الانضمام إلى مشروع مصر الإقليمي لعزل إثيوبيا واحتوائها. 

 

واعتبرت المجلة أنه "ليس من مصلحة السعودية وتركيا وباكستان عزل إثيوبيا التي تمتلك عمقًا حضاريًا واستراتيجيًا وماديًا وديموغرافيًا يُسهم في مبادرات التنمية والاستقرار العابرة للأقاليم التي تشمل مناطق البحر الأبيض المتوسط والمحيطين الأحمر والهند والمحيط الهادئ".

https://hornreview.org/2026/07/08/egypts-perspective-on-quadrilateral-grouping-counter-ethiopias-strategic-influence-in-the-nile-horn-and-red-sea/